‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص وحكايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص وحكايات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، يوليو 10، 2012

ليلة في الوادي - ماجدة م


دب الليل...و كنت أستسلم لنوم ثقيل داخل خيمتي بعدما وضعت طاردا للبعوض همّ النعاس أن يأخذني .. و إذا بضجة كبيرة تفزعني ، لم تكن بعيدة ، كانت كأن شيئا ثقيلا سقط في مياه الوادي، و لأني في عمق الغابة ، توقعت أن السبب قد يكون النمر الذي أريد تصويره ، تملكني الخوف و مسكت انفاسي و اطفأت القنديل ، تريثت بعض الشيء علني ألتقط مزيدا من الأصوات ، لم يبقى منها إلا جلبة خفيفة آتية دائما من ناحية الوادي ،و كأنها قريبة من المكان الذي نصبت فيه الكاميرا، لم يكن لدي من خيار سوى المجازفة و التوجه الى مكان شكي، خرجت زاحفا على بطني ، محاولا أن لا أصدر اي ضجيج، تحركت ببطئ شديد حتى أن قلبي راح يخفق بشدة ، حسبته سيتوقف و العرق تصبب و بلل كل جسدي و وجهي و ملابسي، بدت لي المسافة طويلة مع انها لم تتجاوز عشرة أمتار ، مسحت خلالها كل ما اعترض طريقي من حجر و عشب و طين و عناكب ..و رجوت الله ان لا اصادف عقربا او افعى ..
في الأخير تمكنت من الوصول عند الكاميرا ، انتصبت محاولا فعل ذلك بهدوء مع أني كنت أرتجف و ألهث، و حينما استقرت عيني امام العدسة وجهتها الى ناحية الوادي و بدأت أمسح في المنطقة ببطئ ، توقفت امام منظر لم اتبين معالمه في البداية ، كان هناك شيء في الماء، كبرت الصورة ، حاولت أدققها ، بدا مثل جسد ظبي أو ما شابه ، قوائمه الخلفية كانت منتصبة قليلا و تهتز ، و لكن ما ذاك السواد الذي يغطي نصفه الأمامي، تطلب مني الأمر بعض الثواني قبل أن أكتشف المنظر المروع...لثعبان يوشك أن يبتلع نصف جسد الحيوان . . . 

الثلاثاء، يونيو 19، 2012

قصص قصيرة جداً - ليلى العثمان

الوريث
رفس صدرها بكفه الخشن، صرخ:ـ حتى لحظة موتك.. لن أطلقكِ.
هددت:ـ" سأنتحر". هرعت إلى الحمام.. عبت زجاجة (الكلوركس) .
خرج من البيت مرفرفاً:ـ غداً يصبح كل شيء ملكي.. أنا وريثها الوحيد.

انفتاح
سألت الزهرة رفيقتها: ـ لماذا تفتحتِ قبلي؟.
قالت الرفيقة بانتشاء:ـ فتحت قلبي للنور والمطر قبلكِ.

حـرمـان
عيناها مركزتان على الشاشة. حفل ساهر. ممثلات يلتمعن بملابسهن الأنيقة ومجوهراتهن الثمينة. الموائد عامرة.. لحوم، أسماك، سلطات غريبة، فواكه، حلويات. شعرت بأن رائحة الطعام تخترق مساماتها. يدها، بهدوء، تستل كسرة خبز مدهونة بالزيت والزعتر. يدها الأخرى تلوك ثقوب فستانها القديم.

كـرم
جلس على الرصيف ماداً يده إلى المارة. في المرة الأولى جمع ديناراً. في الثانية جمع مائة دينار. في الثالثة جمع ألف دينار. لم يعد يجلس على الرصيف. مضت سنوات طويلة.. شاهده المارة يسقط في كف سائل ألف دينار. صرخوا به: هذا كثير.
قال:ـ يوم جمعت ديناراً أكلتُ به، ويوم جمعت مائة اكتسيت، ويوم جمعتُ ألفاً تعلمتُ.. فوقيت نفسي ذل السؤال.

سـواد
يستحم كل يوم والناس تنفر منه وتسأله عن القمل الأسود الذي يتناثر من شعره. ذات ليلة كان شجاعاً، استخرج نواياه وأفكاره وحرقها. لم يعد يسأله أحد عن قمله الأسود.

الخـوف
غمرتها السعادة وهو يحيط إصبعها بخاتم الزواج. خطر لها أن تسأله: لماذا طلقتَ زوجتك بعد عشر سنوات؟.
رد بقرف شديد:ـ لقد ترهل وجهها.
نظرت إلى وجهها النضر الجميل في المرآة. حذفت له الخاتم.

خيـانـة
سألها:ـ" كم مرة مارستِ خيانتي"؟.
قالت:ـ" بعدد صفعاتك". وسألته:ـ" كم مرة خنتني"؟.
قال:ـ" بعدد شكوكِ" … أغمي عليهما معاً.

العقـاب
حملت سيفها لتقطع شجرة مثمرة فوق رأس الجبل. قبل أن تصل، تعثرت.. هوت. لم تنتبه لسيفها المسنون فانكفأت عليه.

السـراب
مطت خصلة من شعرها. قالت له وصوتها يترجرج بالدمع:
ـ انظر، لقد شبتُ قبل أواني لأجل أن أربيكَ وتصل إلى مرتبتك العالية.
سخرَ من شيبها:ـ كان هذا واجبك.
ابتعد يمتطي طريقه. بقلب الأم المقهورة كانت تتابع ذلك السراب الذي سار باتجاهه.

احتـجـاج
أوشكت الشمس أن تغادر غرفتها، نشطت تشعل قناديلها. قالت:"لا أحتاج للشمس". في الليل فاض المطر. اقتحم غرفتها.. تبللت أشياؤها.. هرعت إلى النافذة طامعة بحرارة الشمس لتجفف البلل. كانت السماء غائمة.. ظلت حزينة بانتظار شمس أخرى.

الفـرق
وقفت أمام المرآة، تأملت صورتها.. ثم نزعت غطاء رأسها، قفازيها، ثوبها الطويل.. تمنت لو تصبح قطة تسير في الشوارع.

خسـارة
قرر أن يقرأ مائة كتاب في يوم واحد. في اليوم التالي اكتشف أنه فقد حاسة الذوق.


أمـنيـة
ترجرج جسدها الثخين داخل البانيو. تمنت:" ليتني أصير سمكة ". حين همت ترتدي ملابسها، فوجئت أنها لا تلائم حجمها. كانت تحولت قزماً صغيراً.


الـرسـائل
جمعت كل رسائل الحب المتبادلة. قررت أن تمزقها. قالت: لن يشفي هذا غليلي. فكرت تغسلها بالماء. قالت: لن يمحو الماء كل الكلام. فكرت تحرقها. سمعت هسيس الكلمات: بعد عام، ستقرأين رسائل حب أخرى ثم تحرقينها.

حـصـار
في الليل، لا يستطيع أن ينام.. حاصرته رائحة ضميره.

الـرائحـة
أكتافها عارية.لسعها البرد. بحثت عن دفء.من بينهم تمنته وحده يدفئها. تقدم منها، خلع جاكيتته، دثرها بها، دفأت. لكن سنوات طويلة مرت قبل أن تفارقها رائحته الكريهة.

الـجـزاء
فقأ عين الشمس. شُوهد في اليوم التالي يبحث عن عصا !!

الجمعة، يونيو 15، 2012

في غرفة الأحزان - مصطفى لطفي المنفلوطي


يقول أحدهم: كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه، وكان يروقني منظره، ويؤنسني محضره، قضيت في صحبته عهدًا طويلاً، ما أنكر من أمره، ولا ينكر من أمري  شيئاً حتى سافرت سفراً طويلا، فتراسلنا حينا، ثم انقطعت عني كتبه، فرابني من أمره ما رابني، ثم رجعت فجعلت أكبر همي أن أراه، فطلبته في جميع المواطن التي كنت ألقاه فيها فلم أجده، فذهبت إلى منزله، فحدثني جيرانه أنه هجره منذ عهد بعيد، وأنهم لا يعرفون أين مصيره، فوقفت بين اليأس والرجاء برهة من الزمن، يغالب أولهما ثانيهما حتى غلبه، فأيقنت أني قد فقدت الرجل، وأني لن أجد بعد اليوم إليه سبيلا.
هنالك ذرفت من الوجد دموعا ً لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ربعه من الأوفياء، وأًصبح غرضاً من أغراض الأيام.
بينا أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السرار[2] إذ دفعني الجهل بالطريق في هذا الظلام المدلهم إلى زقاق موحش مهجور يخيل للناظر إليه في مثل تلك الساعة التي مررت فيها أنه مسكن الجان أو مأوى الغيلان، فشعرت كأني أخوض بحرا ً أسود، يزخر بين جبلين شامخين، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، وترتفع وتنخفض، فما توسطتُ لجته حتى سمعت في منزل من تلك المنازل المهجورة أنّةً تتردد في جوف الليل ثم تلتها أختها ثم أخواتها، فأثر في نفسي مسمعها تأثيراً شديداً وقلت يا للعجب، كم يكتم هذا الليل في صدره من أسرار البائسين، وخفايا المحزونين، وكنت قد عاهدت الله قبل اليوم ألا أرى محزوناً حتى أقف أمامه وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إن عجزت، فتلمست الطريق إلى ذلك المنزل حتى بلغته، فطرقت الباب طرقاً خفيفاً فلم يفتح، فطرقته أخرى طرقاً شديداً ففتحت لي فتاة صغيرة لم تكد تسلخ العاشرة من عمرها، فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل الذي كان في يدها، فإذا هي في ثيابها الممزقة، كالبدر وراء الغيوم المتقطعة، وقلت لها: هل عندكم مريض ؟ فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط قلبها، وقالت: أدرك أبي أيها الرجل فهو يعالج سكرات الموت، ثم مشت أمامي فتبعتها حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير فدخلتها، فخيل إليّ أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر، والمريض ميت، فدنوت منه حتى صرت بجانبه، فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج الخشبي،  فوضعت يدي على جبينه ففتح عينيه وأطال النظر في وجهي، ثم فتح شفتيه قليلا ً قليلاً، وقال بصوت خافت "أحمد الله فقد وجدت صديقي"، فشعرت كأن قلبي يتمشى في صدري جزعاً وهلعاً، وعلمت أني قد عثرت بضالتي التي كنت أنشُدها، وكنت أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي مرآها حزناً كان في قلبي كميناً، وبين أضلعي دفيناً، فسألته ما باله؟، وما هذه الحال التي صار إليها؟ وكأن أنسه بي أمدّ مصباح حياته الضئيل بقليل من النور، فأشار إلي أنه يحب النهوض، فمددت يدي إليه فاعتمد عليها حتى استوى جالساً وأنشأ يقص عليّ القصة التالية:
منذ عشر سنين كنت أسكن أنا ووالدتي بيتاً يسكن بجانبه جار لنا من أرباب الثراء والنعمة، وكان قصره يضم بين جناحيه فتاة ما ضمت القصور وأجنحتها على مثلها حسناً وبهاء، ورونقاً وجمالاً، فألم بنفسي من الوجد بها ما لم استطع معه صبراً، فما زلت بها أعالجها فتمتنع، واستنزلها فتتعذر، وأتأتى إلى قلبها بكل الوسائل فلا أصل إليه، حتى عثرت بمنفذ الوعد بالزواج فانحدرتُ منه إليها، فسكن جماحها،  وأسلس قيادها، فسلبتها قلبها وشرفها في يوم واحد، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت أن جنيناً يضطرب في أحشائها، فأُسقط في يدي، وطفقت أرتئي بين أن أفي لها بوعدي، أو أقطع حبل ودّها، فآثرت آخرهما على أولهما، فهجرت ذلك المنزل الذي كانت تزروني فيه، ولم أعد أعلم بعد ذلك من أمرها شيئاً.
مرت على تلك الحادثة أعوام طوال، وفي ذات يوم جاءني منها مع البريد هذا الكتاب، ومد يده تحت وسادته وأخرج كتاباً بالياً مصفراً فيه:
"لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهداً دارساً، أو ودّاً قديماً، ما كتبت سطراً، ولا خططت حرفاً، لأني لا أعتقد أن عهدا ً مثل عهدك الغادر، وودّاً مثل ودك الكاذب، يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده.
إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبي ناراًً تضطرم، وجنيناً يضطرب، تلك للأسف على الماضي، وذاك للخوف من المستقبل، فلم تبالِ بذلك وفررت مني حتى لا تُحمل نفسك مؤونة النظر إلى شقاءٍ أنت صاحبه، ولا تكفل يدك مسح دموع أنت مرسلها، فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف ؟ لا ... بل لا أستطيع أن أتصور أنك إنسان، لأنك ما تركت خلة من الخلال المتفرقة في نفوس العجماوت وأوابد الوحش إلا جمعتها في نفسك.
خنتني إذ عاهدتني على الزواج فأخلفت وعدك ذهاباً بنفسك أن تتزوج امرأة مجرمة ساقطة،.. وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا من صنعة يدك، وجريرة نفسك، ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دافعتك جهدي حتى عييت بأمرك فسقطت بين يديك سقوط الطفل الصغير، بين يدي الجبار الكبير.
سرقت عفتي، فأصبحت ذليلة النفس حزينة القلب، استثقل الحياة وأستبطئ الأجل، وأي لذة في عيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجةً لرجل، ولا أماً لولد! بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية إلا وهي خافضة رأسها، مسبلة جفنها، واضعة خدها على كفها، ترتعد أوصالها وتذوب أحشاؤها، خوفا ً من عبث العابثين وتهكم المتهكمين.
سلبتني راحتي، لأني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر الذي كنت متمتعة فيه بعشرة أبي وأمي، تاركة ورائي تلك النعمة الواسعة وذلك العيش الرغيد إلى منزل حقير في حي مهجور لا يعرفني فيه أحد؛ لأقضي فيه الصبابة  الباقية لي من عمري.
قتلت أمي وأبي، فقد علمت أنهما ماتا، وما أحسب موتهما إلا حزنا لفقدي، ويأساً من لقائي.
قتلتني لان ذلك العيش المرّ الذي شربته من كأسك، والهم الطويل الذي عالجته بسببك قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي، فأصبحت في فراش الموت كالفراشة المحترقة، وأحسب الله قد أصاخ لي فاستجاب دعائي، وأراد أن ينقلني من دار الموت والشقاء إلى دار الآخرة.
فأنت كاذب مخادع، ولص قاتل، ولا أحسب الله تاركك دون أن يأخذ لي بحقي منك.
ما كتبت إليك هذا الكتاب لأجدد بك عهداً، أو أخطب إليك وداً، فأنت أهون علي من ذلك، إنني على باب القبر وفي موقف وداع الحياة بأجمعها خيرها وشرها، سعادتها وشقائها، فلا أمل لي في ود، ولا متسع لعهد، وإنما كتبت إليك لأن لك عندي وديعة، هي فتاتك، فان كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك أبقى لك منها رحمة الأبوة، فأقبل إليها وخذها إليك حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبلها".
فما أتممت قراءة الكتاب حتى نظرت إليه فرأيت مدامعه تتحدر على خديه، فسألته: وماذا تم له بعد ذلك ؟ قال إني ما قرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة تتمشى في جميع أعضائي، وخيل إلي أن صدري يحاول أن ينشق عن قلبي حزناً وجزعاً، فأسرعت إلى منزلها وهو هذا المنزل الذي تراني فيه الآن، فرأيتها في هذه الغرفة على هذا السرير جثة هامدة لا حراك بها، ورأيت بنتها إلى جانبها تبكي بكاءً مرا، فصعقت لهول ما رأيت، وتمثلت لي جرائمي في غشيتي كأنما هي وحوش ضارية وأساود ملتفة، هذا ينشب أظافره وذاك يغرز أنيابه، فما أفقت حتى عاهدت الله ألا أبرح هذه الغرفة التي سميتها "غرفة الأحزان" حتى أعيش فيها عيشها وأموت موتها.
وهاأنذا أموت اليوم ...، أسأل الله أن يغفر لي سيئاتي بما قاسيت من العناء، وكابدت من الشقاء.
وما وصل من حديث إلى هذا الحد، حتى انعقد لسانه واكفهر وجهه وسقط على فراشه، فأسلم الروح وهو يقول: ابنتي يا صديقي، فلبثت بجانبه ساعة قضيت فيها ما يجب على الصديق لصديقه، ثم كتبت إلى أصدقائه ومعارفه، فحضروا تشييع جنازته.
ويعلم الله أني أكتب قصته، ولا أملك نفسي من البكاء والنشيج، ولا أنسى ما حييت نداءه لي وهو يودع نسمات الحياة بقوله: "ابنتي يا صديقي".

الاثنين، يونيو 11، 2012

من قصة نظرة - يوسف إدريس

كان غريبا أن تسأل طفلة صغيرة مثلها إنسانا كبيرا مثلي لا تعرفه، في بساطة وبراءة أن يعدل من وضع ما تحمله، وكان ما تحمله معقدًا حقاً ففوق رأسها تستقر "صينية بطاطس بالفرن". وفوق هذه الصينية الصغيرة يستوي حوض، قد انزلق رغم قبضتها الدقيقة التي استماتت عليه حتى أصبح ما تحمله كله مهددا بالسقوط .
ولم تطل دهشتي وأنا أحدق في الطفلة الصغيرة الحيرى، وأسرعت لإنقاذ الحمل وتلمست سبلا كثيرة، وأنا أسوي الصينية فيميل الحوض، وأعدل من وضع الصاج فتميل الصينية، ثم أضبطهما معا فيميل رأسها هي. ولكنني نجحت أخيراً في تثبيت الحمل، وزيادة في الاطمئنان نصحتها أن تعود إلى الفرن، وكان قريبا حيث تترك الصاج وتعود فتأخذه . لست أدري ما دار في رأسها فما كنت أرى لها رأسا وقد حجبه الحمل . كل ما حدث أنها انتظرت قليلا لتتأكد من قبضتها ثم مضت وهي تغمغم بكلام كثير لم تلتقط أذني منه إلا كلمة "ستي" .
ولم أحول عيني عنها وهي تخترق الشارع العريض المزدحم بالسيارات، ولا عن ثوبها القديم الواسع المهلهل الذي يشبه قطعة القماش التي ينظف بها الفرن، أو حتى عن رجليها اللتين كانتا تطلان من ذيله الممزق كمسمارين رفيعين .
وراقبتها في عجب وهي تنشب قدميها العاريتين كمخالب الكتكوت في الأرض، وتهتز وهي تتحرك ثم تنظر هنا وهناك بالفتحات الصغيرة الداكنة السوداء في وجهها وتخطو خطوات ثابتة قليلة وقد تتمايل بعض الشيء ولكنها سرعان ما تستأنف المضي . راقبتها طويلا حتى امتصتني كل دقيقة من حركاتها فقد كنت أتوقع في كل ثانية أن تحدث الكارثة .
أخيرا استطاعت الخادمة الطفلة أن تخترق الشارع المزدحم، في بطء كحكمة الكبار . واستأنفت سيرها على الجانب الآخر وقبل أن تختفي شاهدتها تتوقف ولا تتحرك . وكادت عربة تدهمني، وأنا أسرع لإنقاذها، وحين وصلت كان كل شيء على ما يرام والحوض والصينية في أتم اعتدال أما هي فكانت واقفة في ثبات تتفرج، ووجهها المنكمش الأسمر يتابع كرة المطاط يتقاذفها أطفال في مثل حجمها وأكبر منها، وهم يهللون ويصرخون ويضحكون .
ولم تلحظني، ولم تتوقف كثيرا فمن جديد راحت مخالبها الدقيقة تمضي بها وقبل أن تنحرف استدارت على مهل واستدار الحمل معها، وألقت على الكرة والأطفال نظرة طويلة ثم ابتلعتها الحارة.

الاثنين، يونيو 04، 2012

من حفنة تمر - الطيب صالح


لابدّ إنني كنت صغيراً جداً حينذاك. لست أذكر كم كان عمري تماماً، ولكنني أذكر أن الناس حين كانوا يرونني مع جدي كانوا يربتون على رأسي، ويقرصونني في خدي، ولم يكونوا يفعلون ذلك مع جدي. العجيب أنني لم أكن أخرج أبداً مع أبي، ولكن جدي كان يأخذني معه حيثما ذهب، إلا في الصباح حين كنت أذهب إلى المسجد، لحفظ القرآن. المسجد والنهر والحقل، هذه كانت معالم حياتنا. أغلب أندادي كانوا يتبرمون بالمسجد وحفظ القرآن ولكنني كنت أحب الذهاب إلى المسجد. لابد أن السبب أنني كنت سريع الحفظ، وكان الشيخ يطلب مني دائماً أن أقف وأقرأ سورة الرحمن، كلما جاءنا زائر. وكان الزوار يربتون على خدي ورأسي، تماماً كما كانوا يفعلون حين يرونني مع جدي. نعم كنت أحب المسجد. وكنت أيضاً أحب النهر. حالما نفرغ من قراءتنا وقت الضحى، كنت أرمي لوحي الخشبي، وأجري كالجن إلى أمي، والتهم إفطاري بسرعة شديدة واجري إلى النهر وأغمس نفسي فيه. وحين أكلُّ من السباحة، كنت أجلس على الحافة وأتأمل الشاطئ الذي ينحني في الشرق ويختبئ وراء غابة كثيفة من شجر الطلع. كنت أحب ذلك. كنت أسرح بخيالي وأتصور قبيلة من العمالقة يعيشون وراء تلك الغابة … قوم طوال فحال لهم لحى بيضاء وأنوف حادة مثل أنف جدي. أنف جدي كان كبيراً حاداً. قبل أن يجيب جدي على أسئلتي الكثيرة، كان دائماً يحك طرف أنفه بسبابته. ولحية جدي كانت غزيرة ناعمة بيضاء كالقطن. لم أرَ في حياتي بياضاً أنصع ولا أجمل من بياض لحية جدي. ولابد أن جدي كان فارع الطول، إذ أنني لم أرَ أحداً في سائر البلد يكلم جدي إلا وهو يتطلع إليه من أسفل، ولم أرَ جدي يدخل بيتاً إلا وكان ينحني انحناءة كبيرة تذكرني بانحناء النهر وراء غابة الطلح. كان جدي طويلاً ونحيلاً وكنت أحبه وأتخيل نفسي، حين استوي رجلاً أذرع الأرض مثله في خطوات واسعة. وأظن جدي كان يؤثرني دون بقية أحفاده. ولست ألومه، فأولاد أعمامي كانوا أغبياء وكنت أنا طفلاً ذكياً. هكذا قالوا لي. كنت أعرف متى يريدني جدي أن أضحك ومتى يريدني أن اسكت، وكنت أتذكر مواعيد صلاته، فاحضر له ((المصلاة)) وأملأ له الإبريق قبل أن يطلب ذلك مني. كان يلذ له في ساعات راحته أن يستمع إليّ أقرأ له من القرآن بصوت منغم، وكنت أعرف من وجه جدي أنه أيضاً كان يطرب له. سألته ذات يوم عن جارنا مسعود. قلت لجدي: (أظنك لا تحب جارنا مسعود؟) فأجاب بعد أن حك طرف أنفه بسبابته: (لأنه رجل خامل وأنا لا أحب الرجل الخامل). قلت له: (وما الرجل الخامل؟) فأطرق جدي برهة ثم قال لي: (انظر إلى هذا الحقل الواسع. ألا تراه يمتد من طرف الصحراء إلى حافة النيل مائة فدان؟ هذا النخل الكثير هل تراه؟ وهذا الشجر؟ سنط وطلح وسيال. كل هذا كان حلالاً بارداً لمسعود، ورثه عن أبيه). وانتهزت الصمت الذي نزل على جدي، فحولت نظري عن لحيته وأدرته في الأرض الواسعة التي حددها لي بكلماته. (لست أبالي مَن يملك هذا النخل ولا ذلك الشجر ولا هذه الأرض السوداء المشققة. كل ما أعرفه أنها مسرح أحلامي ومرتع ساعات فراغي). بدأ جدي يواصل الحديث: (نعم يا بنيّ. كانت كلها قبل أربعين عاماً ملكاً لمسعود. ثلثاها الآن لي أنا). كانت هذه حقيقة مثيرة بالنسبة لي، فقد كنت أحسب الأرض ملكاً لجدي منذ خلق الله الأرض. (ولم أكن أملك فداناً واحداً حين وطئت قدماي هذا البلد. وكان مسعود يملك كل هذا الخير. ولكن الحال انقلب الآن، وأظنني قبل أن يتوفاني الله سأشتري الثلث الباقي أيضاً). لست أدري لماذا أحسست بخوف من كلمات جدي. وشعرت بالعطف على جارنا مسعود. ليت جدي لا يفعل! وتذكرت غناء مسعود وصوته الجميل وضحكته القوية التي تشبه صوت الماء المدلوق. جدي لم يكن يضحك أبداً. وسألت جدي لماذا باع مسعود أرضه؟ (النساء). وشعرت من نطق جدي للكلمة أن (النساء) شيء فظيع. (مسعود يا بنيَّ رجل مزواج كل مرة تزوج امرأة باع لي فدناً أو فدانين). وبسرعة حسبت في ذهني أن مسعود لابد أن تزوج تسعين امرأة، وتذكرت زوجاته الثلاث وحاله المبهدل وحمارته العرجاء وسرجه المكسور وجلبابه الممزق الأيدي. وكدت أتخلص من الذكرى التي جاشت في خاطري، لولا أنني رأيت الرجل قادماً نحونا، فنظرت إلى جدي ونظر إليّ. وقال مسعود: ((سنحصد التمر اليوم، ألا تريد أن تحضر؟)) وأحسست أنه لا يريد جدي أن يحضر بالفعل. ولكن جدي هب واقفاً، ورأيت عينه تلمع برهة ببريق شديد، وشدني من يدي وذهبنا إلى حصاد تمر مسعود. وجاء أجد لجدي بمقعد عليه فروة ثور. جلس جدي وظللت أنا واقفاً. كانوا خلقاً كثيراً. كنت أعرفهم كلهم، ولكنني لسبب ما أخذت أراقب مسعوداً. كان واقفاً بعيداً عن ذلك الحشد كأن الأمر لا يعنيه، مع أن النخيل الذي يحصد كان نخله هو، وأحياناً يلفت نظره صوت سبيطة ضخمة من التمر وهي تهوي من علٍ. ومرة صاح بالصبي الذي استوى فوق قمة النخلة، وأخذ يقطع السبيط بمنجله الطويل الحاد: ((حاذر لا تقطع قلب النخلة)). ولم ينتبه أحد لما قال، واستمر الصبي الجالس فوق قمة النخلة يعمل منجله في العرجون بسرعة ونشاط، وأخذ السبط يهوي كشيء ينزل من السماء. ولكنني أنا أخذت أفكر في قول مسعود: ((قلب النخلة)) وتصورت النخلة شيئاً يحس له قلب ينبض. وتذكرت قول مسعود لي مرة حين رآني أعبث بجريد نخلة صغيرة: ((النخل يا بنيّ كالادميين يفرح ويتألم)). وشعرت بحياء داخلي لم أجد له سبباً. ولما نظرت مرة أخرى إلى الساحة الممتدة أمامي رأيت رفاقي الأطفال يموجون كالنمل تحت جذوع النخل يجمعون التمر ويأكلون أكثره. واجتمع التمر أكواماً عالية. ثم رأيت قوماً أقبلوا وأخذوا يكيلونه بمكاييل ويصبونه في أكياس. وعددت منها ثلاثين كيساً. وانفض الجمع عدا حسين التاجر وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا من الشرق، ورجلين غريبين لم أرَهما من قبل. وسمعت صفيراً خافتاً، فالتفت فإذا جدي قد نام، ونظرت فإذا مسعود لم يغير وقفته ولكنه وضع عوداً من القصب في فمه وأخذ يمضغه مثل شخص شبع من الأكل وبقيت في فمه لقمة واحدة لا يدري ماذا يفعل بها. وفجأة استيقظ جدي وهب واقفاً ومشى نحو أكياس التمر وتبعه حسين التاجر وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا والرجلان الغريبان. وسرت أنا وراء جدي ونظرت إلى مسعود فرأيته يدلف نحونا ببطء شديد كرجل يريد أن يرجع ولكن قدميه تزيد أن تسير إلى أمام. وتحلقوا كلهم حول أكياس التمر وأخذوا يفحصونه وبعضهم أخذ منه حبة أو حبتين فأكلها. وأعطاني جدي قبضة من التمر فأخذت أمضغه. ورأيت مسعوداً يملأ راحته من التمر ويقربه من أنفه ويشمه طويلاً ثم يعيده إلى مكانه. ورأيتهم يتقاسمونه. حسين التاجر أخذ عشرة أكياس، والرجلان الغريبان كل منهما أخذ خمسة أكياس. وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا من ناحية الشرق أخذ خمسة أكياس، وجدي أخذ خمسة أكياس. ولم أفهم شيئاً. ونظرت إلى مسعود فرأيته زائغ العينين تجري عيناه شمالاً ويميناً كأنهما فأران صغيران تاها عن حجرهما. وقال جدي لمسعود: ما زلت مديناً لي بخمسين جنيها نتحدث عنها فيما بعد، ونادى حسين صبيانه فجاؤوا بالحمير، والرجلان الغريبان جاءا بخمسة جمال. ووضعت أكياس التمر على الحمير والجمال. ونهق أحد الحمير وأخذ الجمل يرغي ويصيح. وشعرت بنفسي أقترب من مسعود. وشعرت بيدي تمتد إليه كأني أردت أن ألمس طرف ثوبه. وسمعته يحدث صوتاً في حلقه مثل شخير الحمل حين يذبح. ولست أدري السبب، ولكنني أحسست بألم حاد في صدري. وعدوت مبتعداً. وشعرت أنني أكره جدي في تلك اللحظة. وأسرعت العدو كأنني أحمل في داخل صدري سراً أود أن أتخلص منه. ووصلت إلى حافة النهر قريباً من منحناه وراء غابة الطلح. ولست أعرف السبب، ولكنني أدخلت إصبعي في حلقي وتقيأت التمر الذي أكلت.

الأحد، يونيو 03، 2012

الليلة الثالثة عشر ( الإمتاع والمؤانسة ) - أبو حيان التوحيدي

الليلة الثالثة عشرة
فلما حضرت ليلةً أخرى قال: هات. قلت: إن الكلام في النفس صعب، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال، وللوهم عليهم سلطان، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح.
قال بعض الفلاسفة: إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئاً فإنه لا يتصوره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل، فيظن الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية.
وقد تعرف النفس أيضاً الآن من الزمان والوحدة واليقظة، وليس لأحد أن يقول: إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس، ففعل النفسي إذن يفارق البدن، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصها خلوٌ من البدن، مثل التصور بالعقل، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة.
وقال أيضاً: وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر؛ ما كانوا يستغفرون لهم، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون قبورهم.
وقال أيضاً: النفس لا تموت، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن، إذ كان يدبر البدن ويرأسه.
والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء، والرئيس لها. والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس.
وقال أيضاً: النفس قابلة للأضداد، فهي جوهر، فالفائدة أن النفس جوهر.
وقال: النفس ليست بهيولى، فلو كانت هيولى لكانت قابلةً للعظم، فليست النفس إذاً بهيولى.
وقال: ليست النفس بجسم، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له نفس، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم؛ ولا هيولى، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق الضرورة.
وقال آخر: حركة كل متحرك تنقسم قسمين: أحدهما من داخل، وهو قسمان: قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة، كحركة النار ما دامت ناراً، وقسمٌ هو كحركة النفس تهيج أحياناً وتسكن أحياناً، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة.
والقسم الآخر من خارج، وهو قسمان: أحدهما يدفع دفعاً كما يدفع السهم ويطلق عن القوس، والآخر يجر جراً كما تجر العجلة والجيفة.
وقال: فنقول: ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعاً دفعاً ولا مجروراً جراً ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركاً لا محالة من داخل، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطراراً.
وقال: إن كان جسدنا متحركاً من داخل، وكان كل متحرك من داخل إما متحركاً حركةً طبيعية لا تسكن، وإما نفسية تسكن.
فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن، بل ساكنة لا تدوم، وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركةً طبيعية لا تسكن، بل نفسيةً من قبل نفسٍ تحركه وتحسسه.
بوقال: إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحركه، وكان كل محرك يحرك غيره حياً قائماً موجوداً، فالنفس إذاً حيةٌ قائمة موجودة.
وقال أيضاً: النفس جوهر لا عرض، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغير، وهذا لازم للنفس، لأنها تقبل العلم والجهل، والبر والفجور، والشجاعة والجبن، والعفة وضدها، وهذه أشياء أضدادٌ، من غير أن تتغير في ذاتها، فإذا كانت النفس قابلةً لحد الجوهر، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر.
وقال: قد استبان أن النفس هي المحيية المحركة للجسد الذي هو الجوهر ولما كان كل محيٍ حركٍ للجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر.
وقال: لا سبيل أن يكون المحيا المحرك جوهراً ويكون المحيي المحرك غير جوهر، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرك للموجود غير موجود، فالنفس إذاً لا يمكن أن تكون غير موجودة.
وقال: إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد.
وقال: إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد، فما كان قائماً بذاته فهو جوهر، فالنفس إذا جوهر.
وقد أملى علينا أبو سليمان كلاماً في حديث النفس هذا موضعه، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموماً إلى غيره، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير - أبقاه الله ومد في عمره - لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالفٌ للإفاضة باللسان، لأن القلم أطول عناناً من اللسان، وإفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم، والغرض كله الإزادة، فليس يكثير الطويل.
قال: ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئاً ليس بجسم له مدات ثلاث: أعني الطول والعرض والسمك، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض، ولا حاجة به إلى قوة جسمية، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس. ولما وجدنا فينا شيئاً غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته، ورأينا له أحوالاً تباين أحوال الجسم حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساماً والأعراض أعراضاً؛ قضينا أن ها هنا شيئاً ليس بجسم ولا جزء من الجسم، ولا هو عرض، ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة، ووجدنا هذا الشيء أيضاً يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال، ويتضح هذا بشيء أقوله: كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورةً أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته الصورة الأولى، مثال ذلك أن الجسم إذا قبل صورةً أو شكلاً كالتثليث، فليس يقبل شكلاً آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول. وكذلك إذا قبل نقشاً أو مثالاً فهذا حاله، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح، بل تنقش فيه الصورتان، ولا تتم واحدة منهما، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقشٍ في الخاتم؛ ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز، وهذه الخاصة ضدٌ لخاصة الجسم، ولهذا يزداد الإنسان بصيرةً كلما نظر وبحث وارتأى وكشف.
ويتضح أيضاً عن كثب أن النفس ليست بعرض، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره، فهو محمول لا حامل وليس هو قواماً، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض.
وكان يقول: إذا صدق النظر، وكان الناظر عارياً من الهوى، وصح طلبه للحق بالعشق الغالب، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن، وبين البدن المتحرك بالنفس.
قال: ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم، ولم يكن لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعاً.
وهذا ظن فيه عسف، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورةٍ واحدة، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما.
ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس? هذا ظاهر.
وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن، لأ،ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى، ووجد الإنسان بها، لأن النفس وحدها ليست بإنسان، والبدن وحده ليس بإنسان، بل الإنسان بهما إنسان، فإذاً الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن.
وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين الخالص، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه.
وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة.
فأما من هو عن هذا كله عمٍ وعما يجب عليه ساهٍ، فهو في قطيع النعم، وإن كان متقلباً في أصناف النعم.
وكان يقول كثيراً: الناس أصناف في عقولهم: فصنفٌ عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر.
وصنف عقولهم منتبهة، لكنها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرضون على الخير واكتسابه، ويخطئون كثيراً، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعتٌ موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أن النعت الأول موجودٌ في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة.
وصنفٌ عقولهم ذكيةٌ ملتهبة، لكنها عمية عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية، وهذا نعت موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حق عندهم الحق اليقين؛ وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة.
وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي، والاصطفاء السني، والاجتنباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة؛ فتراهم حضوراً وهم غيب، واشياعاً وهم متباينون.
وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ.
وهذا كما تقول: الملوك ساسةٌ، ولكل واحد منهم خاصة؛ وكما يقولون: هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول: علماء، ولكل واحد منهم مذهب.
وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب، لسعة صدره بالحكمة، وفيض صوابه من المعرفة، وصحة طبيعته بالفطرة.
وقال: إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفاً لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له بالاستيفاء، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت: لا عقول لهم كنت صادقاً، وإن قلت: لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقاً؛ إلا أنهم في العدد، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها: ولذلك قال بعض الحكماء: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق.
فضحك - أضحك الله ثغره، وأطال عمره، وأصلح شأنه وأمره - فقال: قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس، وفيه بلاغ إلى وقت، وأظن الليل قد تمطى بصلبه، وناء بكلكله؛ وانصرفت.

السبت، مايو 12، 2012

من رواية : رجال في الشمس - غســان كنفاني


ها هو إذن الشط الذي تحدث عنه الأستاذ سليم قبل عشر سنوات ! ها هو ذا يرتمي على بعد آلاف من الأميال والأيام عن قريته وعن مدرسة الأستاذ سليم.. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم !.. يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود.. ليلة واحدة فقط.. يا الله ! أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه؟.. صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك.. ولكنك على أي حال بقيت هناك.. بقيت هناك ! وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار .. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم .. ترى لو عشت، لو أغرقك الفقر كما أغرقني.. أكنت تفعل ما أفعل الآن؟ أكنت تقبل أن تحمل سنيك كلها على كتفيك وتهرب عبر الصحراء إلى الكويت كي " تجد لقمة خبز؟ .

نهض، واستند إلى الأرض بكوعيه وعاد ينظر إلى النهر الكبير كأنه لم يره قبل ذلك. إذن هذا هو شط العرب: " نهر كبير تسير فيه البواخر محملة بالتمر والقش كأنه شارع في وسط البلد تسير فيه السيارات.. " هكذا صاح ابنه، قيس، بسرعة حين سألة تلك الليلة:
- " ما هو شط العرب؟ "
كان يقصد أن يمتحنه، إلا أن قيس صاح الجواب بسرعة، وأردف قائلا:
- ".. لقد رأيتك تطل من شباك الصف اليوم.. "
التفت إلى زوجه فضحكت، أحس بشيء من الخجل، وقال ببطء:
- " إنني أعرف ذلك من قبل.. "
- " كلا، لم تكن تعرفه.. عرفته اليوم وأنت تطل من الشباك.. "
- " طيب ! وماذا يهمني أن أعرف ذلك أو أن لا أعرفه، هل ستقوم القيامة؟ "
رمقته زوجته من طرف عينيها ثم قالت:
- " اذهب والعب يا قيس في الغرفة الأخرى... "
وحين صفق الباب خلفه قالت لزوجها:
- " لا تحكي أمامه بهذا الشكل، الولد مبسوط لأنه يعرف ذلك، لماذا تخيب أمله؟ "
قام واقترب منها ثم وضع كفه على بطنها وهمس:
- " متى ؟ "
-" بعد سبعة أشهر "
- " أوف !"
- " نريد بنتا هذه المرة.. "
- " كلا ! نريد صبياً ! صبياً ! "
***

ولكنها أنجبت بنتاً سماها "حسنا " ماتت بعد شهرين من ولادتها وقال الطبيب مشمئزاً: " لقد كانت نحيلة للغاية ! "
كان ذلك بعد شهر من تركه قريته ، في بيت عتيق يقع في قرية أخرى بعيدة عن خط القتال :
- " يا أبا قيس، أحس بأنني سألد ! "
- " طيب، طيب، اهدئي "
وقال في ذات نفسه :
وربما نبني غرفة في مكان ما ..
- " بودي لو تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل ! أهذا وقت ولادة ؟ "
- " يا إلهي ! "
- " ماذا؟ "
- " سألد "
- " أأنادي شخصاً ؟ "
- " أم عمر"
- " أين أجدها الآن؟ "
- " ناولني هذه الوسادة.."
- " أين أجد أم عمر؟ "
- " يا إلهي.. ارفعني قليلا، دعني أتكىء على الحائط.. "
- " لا تتحركي كثيراً، دعيني أنادي أم عمر.. "
- " أسرع... أسرع.. يا رب الكون ! "
هرول إلى الخارج، وحين صفق وراءه الباب سمع صوت الوليد، فعاد وألصق أذنه فوق خشب الباب..

صوت الشط يهدر، والبحارة يتصايحون، والسماء تتوهج والطائر الأسود ما زال يحوم على غير هدى.
قام ونفض التراب عن ملابسه ووقف يحدق إلى النهر..
أحس، أكثر من أي وقت مضى، بأنه غريب وصغير، مرر كفه فوق ذقنه الخشنة ونفض عن رأسه كل الأفكار التي تجمعت كجيوش زاحمة من النمل.
وراء هذا الشط، وراءه فقط ، توجد كل الأشياء التي حرمها.

هناك توجد الكويت.. الشيء الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصور يوجد هناك.. لا بد أنها شيء موجود، من حجر وتراب وماء وسماء، وليست مثلما تهوم في رأسه المكدود.. لا بد أن ثمة أزقة وشوارع ورجالاً ونساء وصغاراً يركضون بين الأشجار.. لا.. لا.. لا توجد أشجار هلاك.. سعد، صديقه الذي هاجر إلى هناك واشتغل سواقا وعاد بأكياس من النقود قال إنه لا توجد هناك أية شجرة.. الأشجار موجودة في رأسك يا أبا قيس.. في رأسك العجوز التعب يا أبا قيس.. عشر أشجار ذات جذوع معقدة كانت تساقط زيتونا وخيرا كل ربيع.. ليس ثمة أشجار في الكويت، هكذا قال سعد.. ويجب أن تصدق سعدا لأنه يعرف أكثر منك رغم أنه أصغر منك.. كلهم يعرفون أكثر منك.. كلهم. في السنوات - العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر.. لقد أحتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها.. في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير.. ماذا تراك كنت تنتظر؟ أن تثقب الثروة سقف بيتك.. بيتك؟ إنه ليس بيتك.. رجل كريم قال لك: أسكن هنا ! هذا كل شيء وبعد عام قال لك أعطني نصف الغرفة، فرفعت أكياسا مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد..

وبقيت مقعيا حتى جاءك سعد وأخذ يهزك مثلما يهز الحليب ليصير زبداً.. "

- " إذا وصلت إلى الشر بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة، البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون تهريبك إلى هناك عبر الصحراء.. لماذا لا تذهب؟ "
سمعت زوجته كلام سعد فنقلت بصرها بين وجهيهما وأخذت تهدهد طفلها من جديد.
- " إنها مغامرة غير مأمونة العواقب؟ "
- " غير مأمونة العواقب؟ ها ! ها ! أبو قيس يقول، غير مأمونة العواقب.. ها ها " !
ثم نظر إليها وقال:
- " أسمعت ما يقول زوجك؟ غير مأمونة العواقب ! كأن الحياة شربة لبن ! لماذا
لا يفعل مثلنا ؟ هل هو أحسن؟..
لم ترفع بصرها إليه، وكان هو يرجو أن لا تفعل..
- " أتعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ..
حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟ وغدا سوف يكبر الآخر.. كيف ستنظر إليه وأنت لم... "
- " طيب ! كفى ! "
- لا ! لم يكف ! حرام ! أنت مسؤول الآن عن عائلة كبيرة، لماذا لا تذهب إلى هناك . ما رأيك أنت ؟
زوجته ما زالت صامتة وفكر هو: " غدا سيكبر هو الآخر.. " ولكنه قال:
- " الطريق طويلة، وأنا رجل عجوز ليس بوسعي أن أسير كما سرتم أنتم.. قد أموت .. "
لم يتكلم أحد في الغرفة زوجته ما زالت تهدهد طفلها ، وكف سعد عن الإلحاح ولكن الصوت ! انفجر في رأسه هو :
- " تموت؟ هيه ! من قال أن ذلك ليس أفضل من حياتك الآن ؟ منذ عشر سنوات وأنت تأمل أن تعود إلى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك... قريتك ! هيه ! "
عاد فنظر إلى زوجته :
- " وماذا ترين يا أم قيس؟ "
حدقت إليه وهمست:
" كما ترى أنت.. "
" سيكون بوسعنا أن نعلم قيس.. "
- " نعم " ..
- " وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين.. "
- " طبعاً ! "
- " وربما نبني غرفة في مكان ما.."
- " أجل "
- " إذا وصلت.. إذا وصلت.."
كف، ونظر قليلا ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويداً رويداً ثم تنزلق فوق خدها المغضن الأسمر.. حاول أن يقول شيئاً، ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه.. غصة ذاق مثلها تماما حين وصل إلى البصرة وذهب إلى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، وقف أمامه حاملا على كتفيه كل الذل وكل الرجاء اللذين يستطيع رجل عجوز أن يحملهما.. وكان الصمت مطبقاً مطنا حين كرر الرجل السمين صاحب المكتب:
- " إنها رحلة صعبة، أقول لك، ستكلفك خمسة عشر ديناراً ".
- " وهل تضمن أننا سنصل سالمين؟
- " طبعاً ستصل سالماً، ولكن ستتعذب قليلا، أنت تعرف، نحن في آب الآن، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل.. ولكنك ستصل.."
كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس أنه إذا ما أجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه أن يلفظه مرة أخرى:
- " لقد سافرت آلافا من الأميال كي أصل إليك، لقد أرسلني سعد، أتذكره؟ ولكنني لا أملك إلا خمسة عشر ديناراً، ما رأيك أن تأخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟ "
قاطعه الرجل:
- " إننا لا نلعب.. ألم يقل لك صديقك أن السعر محدود هنا؟ إننا نضحي بحياة الدليل من أجلكم.. "
- " ونحن أيضا نضحي بحياتنا.. "
- " إنني لا أجبرك على هذا "
- " عشرة دنانير؟ "
- " خمسة عشر ديناراً.. ألا تسمع؟ "
لم يعد بوسعه أن يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه، المتصبب عرقاً، يحدق إليه بعينين واسعتين وتمني هو لو يكف الرجل عن التحديق، ثم أحس بها، ساخنة تملأ مؤقه وعلى وشك أن تسقط.. أراد أن يقول شيئاً لكنه لم يستطع، أحس أن رأسه كله قد امتلأ بالدمع من الداخل فاستدار وانطلق إلى الشارع، هناك بدأت المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع. اتصل أفق النهار بالسماء وصار كل ما حوله مجرد وهج أبيض لا نهائي. عاد، فارتمى ملقيا صدره فوق التراب الندي الذي أخذ يخفق تحته من جديد.. بينما انسابت رائحة الأرض إلى أنفه وانصبت في شرايينه كالطوفان."

الأربعاء، مايو 02، 2012

النظـــــــرة الساحـــــــــرة


كان يذهب صباح كل يوم إلى الكلية فيراها مطلة من النافذة ،ويعود من الكلية بعد الظهر فيجدها ما تزال في النافذة ، وخفق قلبه.

لم تقل له أى كلمة ، لم تشر له أي إشارة ،وإنما كانت ابتسامتها تتكلم وتتحدث وتغنى عن أي شئ.

وأحس أنها تنتظره هو وحده ، وتبتسم له وحده ،دون عشرات... الألوف من الناس الذين يمرون في هذا الشارع.

وكان في بعض الأحيان يتعمد التأخير فيجدها في انتظاره ، وكان أحيانا يقدم الموعد فيجدها في انتظاره تبتسم له كانت فتاة شقراء ، دقيقة التقاطيع ، جميلة الملامح ،أحس أنها أجمل فتاة في العالم ،وأن ابتسامتها أحلى ابتسامة في الدنيا ،وكان انتظارها الدائم له يفعل في نفسه فعل السحر ، لأول مرة في حياته يجد أحدا يهتم به ويبتسم له ،تقدم في دراسته من أجلها ،كان يشير إليها فتبتسم ، ألقى إليها رسالة فابتسمت ، ونال بكالوريوس الهندسة ، وسافر في بعثة إلى أمريكا ، وعاد بعدها ، مر من تحت نافذتها فوجدها ما زالت مبتسمة ، لم تغضب لغيابه الطويل لحصوله على الدكتوراه ، أكيد ستتفهم الوضع ما دامت ستعرف أنه فعل كل هذا من أجلها....

وذهب لخطبتها من أبيها..

هز الأب رأسه وقال : هل تعرفك ؟؟

نعم.. إنها تعرفنى منذ ثمانى سنوات ، تعرفنى كل يوم ، وتبتسم لى كل يوم......

قال الأب والدموع تنهمر من عينيه :

ولكنها عمياء يا بنى ، لم ترى عيناها النور منذ ولادتها...

وإذا بالدكتور المهندس الشاب يقول : إنه مصر على أن يتزوجها وهى عمياء!!!!!

ودهش الأب ، وقال المهندس :

إننى مدين لهذه الابتسامة بكل ما وصلت إليه في حياتى

والمرأة التي تصمد لهذا العجز وتبتسم للدنيا برغم حرمانها من أن ترى جمالها هى امرأة رائعة...

وتزوج المهندس من الفتاة العمياء ، ومشت معه في طريق الحياة ، ووقفت بجانبه في الشدائد ، وما زالت عيناها العمياوان أجمل عينين رآهما في حياته . . .
حقا : القلوب أحيانا تبصر أحسن مما تبصر العيون.

إغفـاءة في حضن اليأس - سليمان الطويهر

قالت : أعذرني يا هذا، فأنا لم أكرهك، ولن أكرهك، بيد أنه لم يعد لك مكان في هذا القلب الغارق في ظلمات اليأس . إني أراهُ وقد امتلأ حطاماً وركاماً أربأ بك أن تسكنه !.
قلت : وهل يزعجكِ أن يبقى حطامي ، بجانب حطامك ؟!.
قالت : أنتَ لم تنتـهِ بعد ، فيك بقيةٌ من إحساس، من شعور، من حياة . أما أنا، فعلى العكس تماماً .. إنني أموت .. وببطء !
قلت : لتعلمي إذن، أنكِ أنتِ التي أحيت الإحساس فيني، وأوقدت جذوة الشعور داخلي. أنتِ التي غيرت لي طعم الحياة، فأصبحت الحياة تتقلب بين الحلاوة والمرارة !
كمزاجك الذي أهواه. فكيف الآن تمنحيني تأشيرة الرحيل؟
قالت :كان زماناً وانقضى. أخفيتُ فيهِ عنكِ حبي،. كنت أخشى أن أظلمك معي، فالحب لمن هي مثلي، يجيء ويذهب.. كأن لم يكن ..!
قلت : وكان في الإخفاءِ إبداءُ. كانت نظرةً دائخة، وبسمةً باذخة. كُتـِبْتُ بعدهما في كتاب العشاق ، بطلاً من نور. وليس بيني وبين الخلود ، يا فاتنة الوجود، إلا أن أموت.. فاجعليني أموتُ معكِ، كما أموتُ بكِ !
قالت : أرجوك يا سيدي.. أتوسل إليك.. لا تفسح مكاناً أوسع للحزن، فأنا مزحومة بهمومي، بأكداري، وأقداري..
و أكادُ أتمزق..
قلت : لم يكن الحب داءً يا حبيبتي، كما أنه ليس دواءً. الحب يـُسْكرُ الإنسان عن همومه، عن أحزانه، يجبره على التراجع قليلاً.. كي تكون وثبته للأمام أقوى.. وأعلى..
قالت : وهل قلبٌ ميتٌ يعشق ؟!
قلت : وهل حزنٌ يسكن القلوب الميتة ؟! قلبكِ ياسيدتي وردةٌ لا تذبـُل، وعازفٌ لا يفتـُر، وطفلٌ لا يشيخ ..
قلبكِ لو لم يكن لكِ يا جميلتي، لتوزع على ألف أمٍ.. وألف طفل !
قالت : لماذا يـتـزاحم الهم والحزن والضيق فيه ؟! ألا يجدون غيره ؟!
قلت : الوردة المنشقة عن الحديقة، الثائرة على طبيعتها، المغلقـة عن النحل بابها .. لا تلوم الذباب لو زارها !
وإن كانت الحياة لم تـُخلق للسعادة، للفرح، إلا أننا نستطيع الإمساك بلحظات سعادةٍ مع من نحب. نروي بها عطشنا، ونسد بها رمقنا، ونستظل بأفيائها من حزن الأيام اللاهب.
قالت : ومن أين سآتي بالفرح ؟! وكل ما حولي يستنهظ الإحباط ، ويستدعي اليأس ؟!
قلت : ليس في الحياة ياحياتي حزنٌ مطلق، ولا فرحٌ مطلق. هي أمور نسبية، تـُرجِّحُ أحدَها على الآخر ، نظرتـُنا للحياة..
نظرتـُك المتشائمة يا حبيبتي، رأت سوادَ الحزن، وتعامت عن بياضِ الفـرح !
قالت : ولو تفائلت.. هل سيخبو الحزن من ذاتي، وتنطلق أغنيات الفرح ؟!
قلت : لن يذهب شيء، ولن يجيء شي. سيبقى كلٌ على ما هو عليه.. لكنكِ ستلتفتين للفرح.. لتجديـه هاشاً باشاً، وكأنه ينتظركِ من أعوام، وسيأخذ بيديكِ، إلى حيث لا تحزنين!
قالت : والحب .. ما شأنه فيما تذكر ؟!
قلت : الحب ، يا منحة الرب ، هو ملطفُ الحياة، وأكسيرُ الفرح. الحبُ منجم الأحلام، وأنتِ لستِ بحاجة إلى شئ أكثر من الحلم .. أياً كان هذا الحلم.
قالت : ويبقى الحلم حلماً …
قلت : الحلم .. أمل .. وأمنية .. وحاجة ! الحلم حياة لو كنتِ لا تعلمين .. والحياة لا تصفوا لمن نال كل شئ.. إلا إن كان لديه حلماً. وأجمل ما في الأحلام أنها لا تتحقق..
قالت : ياللتناقض!. وكيف يكون ذلك ؟
قلت : جمالُ الحلم، يا أحلى حلم، يكمن في تَسـرُّبِ ساعات القلق انتظاراً لذلك الجميل، الذي يشفينا في البـُعد.. وغالباً لا يأتي.
أنتِ لا تعلمين لِـمَ يموت البسطاء ، وأقل من دراهمهم.. همهم..
ولم يعيش الأغنياء.. وهمهم .. أكبـر من دراهمهم!
اغرسي بذرة الحلم في ذاتك من الآن، واسقيها من تفاؤلك، و “دعي الشمس تشرق في قلبك”.
أنتِ تبحثين عن الفرح في الخارج، ولا تعلمين بأنه مقيدٌ في داخلك.. يستجديكِ .. ويستغيثُ بك.. ويلّوح لكِ..
وأنتِ لا تلتفتين إليه!
قالت : لو كان في داخلي كما تزعم.. لما ضللتُ طريقه!
قلت : الفراشات لا ترى في الظلام.. وقلبكِ كما تذكرين غارق في ظلمته..
قالت : وكيف أضيء قلبي ؟؟
قلت : أطلي عليه بوجهك. فوجهك النور الذي أفزع ظلمات الكآبة في قلبي. وسترين كم من الورود سترقص بك إحتفالاً، وكم من الأطيار ستشدو بكِ إحتفاءً.
فقط ابتسمي لذاتك .. وسترين ..
أتبخلين على نفسكِ بما تملكين ؟!
سكتت طويلاً.. طويلاً..
ثم تنهدت..
وفي يأسٍ..
قالت : لا فائدة .. لا فائدة ..
وسكتُ .. لا أدري ما أقول ..
ومضيت ..
محدثاً أطلالها في قلبي :
حقاً .. لا فائدة !
وكان الفراق ..

المعلم

قَدْ يُنْطِقُ الْفِعْلُ الْجَميْلُ الأُبْكِما            فالطَّيْرُ مِنْ حُسْنِ الرِّيَاضِ تَرَنَّمَا أمُعَلِّمَ الْأَجْيَالِ يَا نَجْمَ الد...